الطبراني
249
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يقال : رغبت في الشيء ؛ إذا أردته ، ورغبت عنه ؛ إذا تركته . والرغبة في اللغة : محبّة ما للنّفس فيه منفعة . ولهذا لا يجوز في صفات اللّه : راغب . قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) أي خسر وهلك . وقال الكلبيّ : ( ضلّ من قبل نفسه ) . وقال بعض أهل اللغة : سفه بمعنى يسفه ، وقيل : ( سَفِهَ نَفْسَهُ ) أي جهل نفسه بمعنى لم يتفكّر في نفسه أنّ لها خالقا . وقيل : سفه في نفسه ؛ إلا أنه حذف الخافض فنصب ، مثل قوله تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ « 1 » أي على عقدة النكاح . ويقال : ضربته الظهر والبطن ؛ أي على الظهر والبطن . وأصل السّفه والسّفاهة : الجهل وضعف الرّأي . قوله تعالى : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا ؛ أي للرسالة . وأصل الطّاء فيه التاء ، جعلت طاء لقرب مخرجها ولتطوّع اللّسان به . قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) ؛ أي الفائزين . قاله الزجّاج « 2 » . وقيل : المستوجبين للكرامة . وقيل : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره : ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنّه لمن الصالحين ، نظيره في سورة النحل : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ « 3 » . قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ؛ أي استقم على الإسلام وأثبت عليه ؛ لأنه كان مسلما كقوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ « 4 » أي أثبت على علمك . وقال ابن عبّاس : ( إنّما قال ذلك حين خرج من السّرب « 5 » ورأى الكوكب والقمر والشّمس ، فألهمه اللّه الإخلاص فاستدلّ وعرف وحدانيّة اللّه فأسلم حينئذ ، وقال : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 6 » ) وليس أنه كان حين أفلت الشمس كافرا ؛ لأنّ اللّه تعالى لا ينبئ من كان كافرا قطّ .
--> ( 1 ) البقرة / 235 . ( 2 ) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه : ج 1 ص 185 . ( 3 ) الآية / 122 . ( 4 ) محمد / 19 . ( 5 ) السّرب بالتحريك : الحفير ، وبيت تحت الأرض . القرطبي : ج 2 ص 134 . ( 6 ) الأنعام / 78 - 79 .